أبي نعيم الأصبهاني
313
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
591 - أبو عثمان الوراق وأما أبو عثمان الوراق فله العبادة المشهورة . كان الإمام أحمد بن حنبل يحمد سيرته . كان للفقر معتنقا ولا يرى الإمساك والادخار . يتبع آثار ما درج عليه الصدر الأول من صفوة الصحابة وأهل الصفة ، ويقول بالايثار والمواساة . أكثر نجوم البغداديين به تخرجوا ، وعنه أخذوا التجرد وسياسة النفوس ورياضتها . كان يجمع المتعبدين في مسجده يقرئهم القرآن ويعلمهم الأحكام ، ويحثهم على الورع والتقلل ، ويواخى بين أصحابه فيضيف الضعيف إلى القوى ، ويواخى بين المتكسب ومن لا حرفة له ، وبين البصير والضرير وبين القارئ وبين من لا يقرأ ليعلمه ويلقنه . لا يمنع المكتسب من الكسب . فإذا كان الليل اجتمع أمرهم واحد فأكلوا موضعا واحدا ، وهو كأحدهم ، إن كان عنده شيء أحضره ، كان لا يبيت شيئا ، كان إذا سافر وغزا هو وأصحابه ينزلون المساجد لا يحضرون الدعوات والاجتماع إن فتح عليهم في المسجد قبلوه وبذلوه ، وكان يصون أصحابه عن التعرض والمسألة ، فان جاءه ممن تسكن إليه نفسه قبله لهم . كانت طريقته طريقة السلف المرضية . 592 - أبو أيوب الحمال وأما أبو أيوب الحمال فمن المجتهدين ومن الأسخياء ، له كرامات عجيبة * أخبر جعفر بن محمد بن نصير - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول : أخبرني محمد بن وهب عن بعض أصحابه أنه حج مع أيوب الحمال . قال : فلما دخلنا البادية وسرنا منازل إذا بعصفور تحوم حولنا ، فرفع أيوب رأسه إليه وقال له : قد جئت إلى هاهنا ؟ فأخذ كسرة خبز ففتته في كفه فانحط العصفور وقعد على كفه يأكل منها ، ثم صب له ماء فشربه . ثم قال : اذهب الآن . فطار العصفور ، فلما كان من الغد رجع العصفور ففعل أيوب مثل فعله في اليوم الأول . فلم يزل كل يوم يفعل به ذلك إلى آخر السفر ، ثم قال أيوب : تدرى ما قصة هذا العصفور ؟ كان يجيئني